وهبة الزحيلي
148
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يريهم آية ، فأراهم القمر شقتين ، حتى رأوا حراء ( جبل مشهور بمكة ) بينهما . و أخرجا أيضا عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرقتين : فرقة فوق الجبل ، وفرقة دونه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اشهدوا » . وقيل : المراد الإخبار عن أنه سينشق القمر . ثم أخبر اللّه تعالى عن موقف الكفار وعنادهم أمام هذه المعجزة ، فقال : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ، وَيَقُولُوا : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أي وإن ير المشركون علامة على النبوة ودليلا على صدق النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، يعرضوا عن التصديق والإيمان بها ، ويولوا مكذبين بها قائلين : هذا سحر قوي شديد يعلو كل سحر ، مأخوذ من قولهم : استمرّ الشيء : إذا قوي واستحكم ، وقيل : مستمر ، أي دائم مطرد . وهذا ردّ على المشركين الذين طالبوا بآية ، قال المفسرون : لما انشق القمر ، قال المشركون : سحرنا محمد ، فقال اللّه تعالى : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يعني انشقاق القمر . ثم أكد تعالى موقفهم هذا بقوله : وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ، وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ أي وكذبوا بالحق إذ جاءهم ، واتبعوا ما أملته عليه أهواؤهم وآراؤهم في أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ساحر أو كاهن ، بسبب جهلهم وسخافة عقولهم . ثم هددهم تعالى وأخبرهم بأن كل أمر منته إلى غاية مماثلة له ، فالخير يستقر بأهل الخير ، والشر يستقر بأهل الشرّ ، فقوله : وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ استئناف للرد على الكفار في تكذيبهم ، ببيان أنه لا فائدة لهم في ذلك ، لأن كل أمر له غاية حتما ، وسينتهي أمر النّبي صلى اللّه عليه وسلم إلى غاية يظهر فيها أنه على حق ، وهم على باطل . وفي هذا أيضا تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتبشير له بأن النصر سيكون حليفه في الدنيا ، وأن له ولأتباعه الدرجة العالية والجنة في الآخرة .