وهبة الزحيلي

128

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والدخول في الإسلام ، بالرغم من سماع ما أنزل ، وظن أن غيره يتحمل عنه أوزاره ، مع أن جميع الشرائع كشريعة إبراهيم وموسى تقرر مبدأ المسؤولية الشخصية أو الفردية ، وأن لا تتحمل نفس آثمة وزر أو ذنب نفس أخرى ، وأن ليس لكل إنسان إلا سعيه بالخير . التفسير والبيان : ذمّ اللّه تعالى ووبخ كل من تولى عن طاعة اللّه ، فقال : أَ فَرَأَيْتَ « 1 » الَّذِي تَوَلَّى ، وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى ، أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى أي أعلمت وأخبرت شأن الذي تولى عن الخير ، وأعرض عن اتباع الحق ، وأعطى قليلا من المال ، ثم أحجم عن العطاء في سبيل أن يتحمل عنه غيره وزره ، أو كما قال ابن عباس : أطاع قليلا ثم قطعه ، أفعند هذا الكافر الذي آثر الكفر على الإيمان علم ما غاب عنه من أمر العذاب ، فهو يعلم أن صاحبه يتحمل عنه أوزاره يوم القيامة ؟ ليس الأمر كما يظن . وهذا كقوله تعالى : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ، وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ القيامة 75 / 31 - 32 ] ثم ذكّره تعالى بما أجمعت عليه الشرائع من أن المسؤولية شخصية ، فقال : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ، وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أي . بل أنّه لم يخبر بما جاء في أسفار التوراة ، وصحف إبراهيم الذي تمم وأكمل ما أمر به ، وأدى الرسالة على الوجه الأكمل ، كما جاء في آية أخرى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ، قالَ : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة 2 / 124 ] فإنه قام بجميع الأوامر ، وترك جميع النواهي ، وبلّغ الرسالة على التمام والكمال ، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله .

--> ( 1 ) أَ فَرَأَيْتَ : معناها المراد : أخبرني ، ومفعولها الأول : الَّذِي ، والثاني : جملة الاستفهام .