وهبة الزحيلي

21

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

التفسير والبيان : يخاطب اللّه رسوله محمدا ص بقوله : إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ أي إنا نحن رب العزة وإله الكون نزّلنا عليك يا محمد القرآن العظيم ، لأجل الناس ، أي والجن ، ولبيان ما كلّفوا به ، وإنذارهم به ، أنزله ربك مقرونا مصحوبا بالحق ملتبسا به ، وهو دين الإسلام . قال الزمخشري : لِلنَّاسِ لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه ، ليبشّروا وينذروا ، فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية ، ولا حاجة لي إلى ذلك فأنا الغني ، فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه ، ومن اختار الضلالة فقد ضرها « 1 » ، قال تعالى : فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي فمن عرف طريق الحق وسلكها ، فاهتداؤه لنفسه ، ويعود نفع ذلك إلى نفسه ، ومن حاد عن طريق الحق ، فضلاله على نفسه ، ويرجع وبال ذلك على نفسه ، وما أنت أيها الرسول بموكل أن يهتدوا ، ولا بمكلف في حملهم على الهداية ، بل عليك البلاغ ، وقد فعلت ، كقوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [ هود 11 / 12 ] وقوله سبحانه : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [ الرعد 13 / 40 ] وقوله عز وجل : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [ الغاشية 88 / 21 - 22 ] . ثم ذكر اللّه تعالى نوعا آخر من أنواع قدرته وتصرفه في الوجود ، بعد إنزال القرآن ، فقال : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها أي إن اللّه هو

--> ( 1 ) الكشاف : 3 / 33