وهبة الزحيلي
82
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
قالُوا : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أي قال الأتباع للرؤساء : إنكم كنتم تأتوننا من جهة الخير ، فتصدوننا عنه . وقيل : إن اليمين مجاز مستعار من القوة والقهر ، أي كنتم تأتوننا من ناحية القهر والقوة وبحكم السيطرة والرياسة لكم علينا في الدنيا ، حتى تحملونا على الضلال ، وتقسرونا عليه . وقيل : تأتوننا من جهة الدّين ، فتهونون علينا أمره وتنفروننا عنه ، كما هو الشأن اليوم في كثير من الرؤساء والرفاق . وكلمة قالُوا جواب عن سؤال مقدر ، فهو استئناف بياني . فأجاب الرؤساء بجوابين : 1 - قالُوا : بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي بل إنكم أنتم أبيتم الإيمان ، وأعرضتم عنه ، مع تمكنكم منه ، مختارين الكفر ، فقلوبكم هي القابلة للكفر والعصيان ، وكنتم من الأصل على الكفر . وكلمة قالُوا أي المخاطبون وهم قادة الكفر أو الجن . 2 - وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ، بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ أي لم يكن لنا عليكم من حجة وتسلط نسلبكم به اختياركم وتمكنكم ، بل كان فيكم طغيان وتجاوز الحد في الكفر ، ومجاوزة للحق الذي جاءتكم به الأنبياء ، وكنتم مختارين الطغيان ، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الدين الحق ، وما كان منا إلا الدعوة ، وكانت منكم الإجابة اختيارا لا جبرا . فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ أي وجب علينا وعليكم حكم ربنا ، ولزمنا قول ربنا ، وهو قوله : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ فلنذوقن ما وعدنا به ، ونحن ذائقو العذاب لا محالة يوم القيامة . قال أبو حيان : والظاهر أن قوله : إِنَّا لَذائِقُونَ إخبار منهم أنهم ذائقون العذاب جميعهم الرؤساء والأتباع .