وهبة الزحيلي
72
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وإن خلقهم ضعيف ، فلا يتكبروا بإنكار النبي والقرآن المؤدي إلى هلاكهم اليسير . بل للانتقال من غرض إلى آخر ، وهو الإخبار بحال النبي ص وبحالهم عَجِبْتَ يا محمد من تكذيبهم إياك ، ومن إنكارهم قدرة اللّه تعالى وإنكار البعث . وَيَسْخَرُونَ أي وهم يستهزئون من تعجبك ومما تقوله من إثبات البعث . وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ أي وإذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون . وَإِذا رَأَوْا آيَةً معجزة دالة على الصدق من معجزات الرسول ص ، كانشقاق القمر . يَسْتَسْخِرُونَ يبالغون في السخرية والاستهزاء . وَقالُوا : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي وقالوا : ما هذا الذي تأتينا به وهو القرآن إلا سحر ظاهر واضح . أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أي أنبعث إذا متنا ، وكرروا الهمزة مبالغة في الإنكار ، وإشعارا بأن البعث في رأيهم مستنكر في نفسه ، وفي هذه الحالة أشد استنكارا . أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ الهمزة للاستفهام ، وهو عطف بالواو على محل إن واسمها : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أو عطف على ضمير : لَمَبْعُوثُونَ والفاصل همزة الاستفهام ، أي أو آباؤنا الأولون مبعوثون ؟ . قُلْ : نَعَمْ تبعثون . وَأَنْتُمْ داخِرُونَ صاغرون ذليلون . فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أي صيحة واحدة ، وهو جواب شرط مقدر ، أي إذا كان ذلك ، فإنما البعث زجرة ، أي صيحة واحدة هي النفخة الثانية ، يقال : زجر الراعي غنمه ، أي صاح عليها وأمرها بالإعادة . فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ أي فإذا الخلائق قيام من مراقدهم أحياء ، ينظرون ما يفعل بهم . وَقالُوا الكفار . يا وَيْلَنا هلاكنا ، وهو مصدر لا فعل له من لفظه ، ويقال وقت الهلاك . الدِّينِ الحساب والجزاء . هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الحكم والقضاء بين الخلائق وتمييز المحسن من المسئ . وهو من قول الملائكة . المناسبة : افتتح اللّه تعالى هذه السورة بإثبات وجود الخالق وقدرته ووحدانيته بدليل واضح وهو خلق السماوات والأرض وما بينهما ، وخلق المشارق والمغارب ، وأعقب ذلك بإثبات المعاد وهو الحشر والنشر والقيامة . ومن المعلوم أن المقصد الأصلي للقرآن الكريم هو إثبات الأصول الأربعة : وهي الإلهيات ، والمعاد ، والنبوة ، وإثبات القضاء والقدر .