وهبة الزحيلي

68

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهاتان الخاصتان أو المنفعتان للسّموات ، جاءت آيات كثيرة تقررهما مثل قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ، وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ ، وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ [ الملك 67 / 5 ] ، وقوله عزّ وجلّ : وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ ، وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [ الحجر 15 / 16 - 18 ] . وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ أي يرمون بالشّهب من كلّ جهة يقصدون السماء منها ، إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع . دُحُوراً ، وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ أي يدحرون دحورا ، ويطردون ويمنعون من الوصول إلى ذلك ، ولهم في الآخرة عذاب دائم مستمر موجع ، كما قال تعالى في الآية المتقدمة : وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ . إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ ، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ أي إلا من اختطف من الشياطين الخطفة ، وهي الكلمة ، يسمعها من السماء ، فيلقيها إلى الذي تحته ، ويلقيها الآخر إلى من تحته ، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها بقدر اللّه تعالى قبل أن يأتيه الشهاب ، فيحرقه ، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن ، كما جاء في الحديث . فخاطف الكلمة العارضة يتبعه اللّه بنجم مضيء ، أو بشعلة مستنيرة ، فتحرقه ، وربما لا تحرقه ، فيلقي إلى إخوانه الكهان ما خطفه . والخطف : أخذ الشيء بسرعة . والثاقب : المضيء . والملحوظ الثابت أن الشياطين قبل بعثة نبينا محمد ص كانت ترمى أحيانا ، وأحيانا لا ترمى ، وبعد البعثة تعرضوا للرمي من كل جانب ، وزيد في حفظ السماء ، فلم يتمكنوا من استراق السمع ، إلا بأن يختطف أحدهم كلمة ، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض ، فيلقيها إلى إخوانه ، وبهذا بطلت