وهبة الزحيلي

57

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ما يريد ، لا يمنعه شيء ، فهذا التحوّل والتقلّب من عنصر الرطوبة إلى عنصر الحرارة ، يدل على إمكان إعادة الرطوبة إلى ما كان يابسا باليا . والمشاهد أن شجر السّنط يوقد به النار وهو أخضر . وقيل : المراد بذلك شجر المرخ والعفار ينبت في أرض الحجاز ، فيأتي من أراد قدح نار ، وليس معه زناد ، فيأخذ عودين أخضرين منهما ، ويقدح أحدهما بالآخر ، فتتولد النار من بينهما ، كالزناد تماما . ومثل ذلك احتكاك السّحب المولّد لشرارة البرق . ودليل ثالث أعجب مما سبق : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى ، وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ أي إن من خلق السّموات السّبع بما فيها من الكواكب السّيارة والثّوابت ، والأرضين السّبع بما فيها من جبال ورمال وبحار وقفار ، وهي أعظم من خلق الإنسان ، إن من خلق ذلك قادر على خلق مثل البشر وإعادة الأجسام ، وهي أصغر وأضعف من السّموات والأرض ، بلى هو قادر على ذلك ، وهو الكثير الخلق ، الواسع العلم ، فقوله الْخَلَّاقُ إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله الْعَلِيمُ إشارة إلى شمول العلم . والخلاصة : أن خلق الأشياء العظيمة برهان قاطع على خلق ما دونها ، كما قال تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر 40 / 57 ] ، وقال سبحانه : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ؟ بَلى ، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الأحقاف 46 / 33 ] . وتأكيدا للبيان ونتيجة لما سبق ، قال تعالى :