وهبة الزحيلي
38
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ادخلوها وذوقوا حرها اليوم ، بسبب كفركم باللّه في الدنيا ، وتكذيبكم بها ، وطاعتكم للشيطان ، وعبادتكم للأوثان . وفي هذا الكلام إشارة إلى شدة ندامتهم وحسرتهم من وجوه ثلاثة « 1 » : 1 - قوله تعالى : اصْلَوْهَا وهو أمر تنكيل وإهانة ، كقوله تعالى لفرعون : ذُقْ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدخان 44 / 49 ] . 2 - قوله تعالى : الْيَوْمَ الذي يدل على أن العذاب حاضر ، وأن لذاتهم قد مضت ، وبقي العذاب اليوم . 3 - قوله تعالى : بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الذي ينبئ عن الكفر بنعمة عظيمة ، وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام ، كما قال بعضهم : أليس بكاف لذي نعمة * حياء المسئ من المحسن ثم أبان اللّه تعالى مدى مواجهتهم بالجرم الذي ارتكبوه دون أن يستطيعوا إنكاره ، فقال : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ ، وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ ، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي في هذا اليوم الرهيب ، يختم اللّه على أفواه الكافرين والمنافقين ختما لا يقدرون معه على الكلام ، ويستنطق جوارحهم بما عملت ، فتنطق أيديهم وأرجلهم بما اقترفت ، ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعوانا لهم على المعاصي ، صارت شهودا عليهم . وجعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل ، لأن أكثر الأفعال تتم بمباشرة الأيدي ، كما قال تعالى : وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [ يس 36 / 35 ] وقال سبحانه : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة 2 / 195 ] أي ولا تلقوا بأنفسكم ،
--> ( 1 ) تفسير الرازي : 26 / 101