وهبة الزحيلي

36

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الأثر بالمحو . فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أي ابتدروا إلى الطريق المألوف لهم ليمصوا فيه . فَأَنَّى يُبْصِرُونَ أي فكيف يبصرون الطريق والحق حينئذ ؟ أي لا يبصرون . لَمَسَخْناهُمْ أي لو شئنا تغيير صورتهم إلى صورة أخرى قبيحة . عَلى مَكانَتِهِمْ أي مكانهم ، بحيث يجمدون فيه ، وقرئ : مكاناتهم جمع مكانة ، بمعنى مكان ، أي في منازلهم . فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ذهابا . وَلا يَرْجِعُونَ أي ولا رجوعا ، أي لم يقدروا على ذهاب ولا عودة . وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ومن نطل عمره . نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ نغير خلقه ونقلبه فيه ، ونجعله على عكس ما كان عليه أولا من القوة والطراوة ، فيصبح بعد قوته وشبابه ضعيفا هرما . أَ فَلا يَعْقِلُونَ ؟ أن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ والبعث ، فيؤمنوا . المناسبة : بعد بيان حال المحسنين في الآخرة ، أعقبه تعالى ببيان حال المجرمين في الدنيا والآخرة ، ففي الآخرة يميزون عن المؤمنين ، ويصلون نار جهنم خالدين فيها أبدا بسبب كفرهم واتباع وساوس الشيطان ، وفي الدنيا لم يعاجلهم بالعقوبة رحمة منه ، فلم يشأ أن يذهب أبصارهم ، أو يمسخ صورهم ويجعلهم كالقردة والخنازير ، وأعطاهم الفرصة الكافية من العمر في الدنيا ليتمكنوا من النظر والاهتداء ، قبل أن يضعفوا ويعجزوا عن البحث والإدراك ، وذلك تحذير واضح لهم . التفسير والبيان : يخبر اللّه تعالى عن حال الكفار يوم القيامة بتمييزهم عن المؤمنين في موقفهم ، فيقول : وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أي يقال للمجرمين الكافرين في الآخرة : تميزوا في موقفكم عن المؤمنين ، كما قال تعالى في آية أخرى : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ ، فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ [ يونس 10 / 28 ] وقال سبحانه : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [ الروم 30 / 14 ] يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [ الروم 30 / 43 ] أي يصيرون صدعين فرقتين .