وهبة الزحيلي
260
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بل لا يقتصر في ذلك على أن يضل نفسه ، بل يضل غيره بفعله أو قوله ، ويدعوه إلى أن يشاركه في ذلك ، فيزداد إثما على إثمه . لهذا حق أن يوجّه له التهديد الشديد والوعيد الأكيد بأن يتمتع بكفره زمنا قليلا ، فإن مصيره في النهاية إلى النار . وأما المؤمن : فهو سوي غير متناقض ، مستقيم غير مضطرب ، صلب في دينه غير متزعزع ، يثبت في جميع أحواله على حال واحدة ، من الإيمان الراسخ باللّه ، والاستقامة على أمر اللّه ، فهو إذن ليس كالكافر الذي مضى ذكره . تراه مصليا خاشعا لربه في جنح الظلام ، والناس نيام ، يناجي ربه ، جامعا بين الخوف والرجاء . ثم أكد اللّه تعالى وجه الفرق بين المؤمن والكافر بالمقارنة بين العالم والجاهل ، فكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي . ثم إن الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به ، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به ، فهو بمنزلة من لم يعلم ، وفي هذا إشارة إلى أن الكافر أو المشرك أو العاصي جاهل وإن كان عالما بعلوم الدنيا ، فإنما يتذكر ويعتبر ويتعظ بهذه المقارنات أصحاب العقول من المؤمنين . ويلاحظ الترتيب في تعداد أوصاف المؤمن ، بدأ فيها بذكر العمل في وصفه بكونه قانتا ساجدا قائما ، ثم ختمها بذكر العلم في قوله : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في العمل والعلم ، فالعمل هو البداية ، والعلم هو النهاية . ثم إنه تعالى نبّه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل بالمواظبة عليه ، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائما دائما بما يجب عليه من الطاعات .