وهبة الزحيلي
194
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ونظير القسم الثاني قوله سبحانه : وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ [ إبراهيم 14 / 2 ] وقوله عز وجل : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ مريم 19 / 37 ] . ثم أبان اللّه تعالى منهج الحساب أو عدم التسوية بين المؤمنين والكافرين ، فقال : أَمْ « 1 » نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ أي بل أنجعل الذين آمنوا باللّه وصدقوا رسله ، وعملوا بفرائضه ، وأصلحوا أعمالهم ، فأدّوا ما يجب للخالق والمخلوق ، كالمفسدين في الأرض بالمعاصي ، أم نجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين والمنافقين والمنهمكين في معاصي اللّه من المسلمين ؟ ! ! فليس ذلك إن فعلناه عدلا ، ولا يتفق مع الحكمة ، ومقتضى أي نظام . أي ليس من عدل اللّه وحكمته التسوية بين المؤمنين والكافرين ، فلا يستوي الفريقان عند اللّه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا بدّ من دار أخرى يثاب فيها المطيع ، ويعاقب فيها الفاجر ، إذ لولا البعث والحساب والجزاء لكان الفريقان سواء . ويؤيد هذا المبدأ العقول السليمة والفطر المستقيمة أنه لا بد من معاد وجزاء ، فلا يعقل أن يكون جزاء المحسن كجزاء المسي ، ولا تتقبل النفس الإنسانية أن يترك الظالم دون عقاب ، وألا ينصف المظلوم أو المحزون أو المعدم من الظالم الباغي المترف ، وألا يعوض عن كمده وحرمانه في الدنيا . ونظير الآية قوله تعالى : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟ ! [ القلم 68 / 34 - 36 ] .
--> ( 1 ) هذه أَمْ المنقطعة التي هي بمعنى « بل » للإضراب الانتقالي ، ويراد بالهمزة الاستفهامية : الإنكار .