وهبة الزحيلي

170

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الزخرف 43 / 32 ] . وسبب استبعادهم هذا ، الناشئ عن جهلهم وقلة عقلهم : الشك في أمر القرآن وحسد النبوة : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ، بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ أي بل الحقيقة أنهم في شك من القرآن أو الوحي ، بل إنما شكوا وتركوا النظر والاستدلال ، لأنهم لم يذوقوا عذابي ، فإذا ذاقوه صدقوا بالقرآن ، وزال عنهم الشك والحسد . و لَمَّا بمعنى « لم » وما : زائدة ، مثل : عَمَّا قَلِيلٍ [ المؤمنون 23 / 40 ] و فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [ النساء 4 / 155 أو المائدة 5 / 13 ] . ثم رد اللّه تعالى عليهم استبعادهم نبوة محمد ص وجعلها في صناديدهم قائلا : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أي بل أهم يملكون مفاتيح نعم ربك القوي الغالب ، المانح الواهب الكثير المواهب ، حتى يعطوا نعمة النبوة لمن يشاءون ؟ كما في آية أخرى : قُلْ : لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ ، وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً [ الإسراء 17 / 100 ] . ثم أنكر اللّه تعالى ما هو أشد ، فقال : أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي بل أهم يملكون السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات والعوالم ، فإن فرض أنهم يملكون ، فليصعدوا في المعارج التي توصلهم إلى السماء ، حتى يحكموا بما يريدون من عطاء ومنع ، ويدبروا أمر العالم بما يشتهون . ثم أجمل اللّه تعالى وصفهم بالقلة والحقارة فقال : جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ أي ما هم إلا جند مغلوبون