وهبة الزحيلي

146

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً التفات من الخطاب إلى الغيبة ، والأصل : وتجعلون ، للإهمال والإبعاد من رحمة اللّه . المفردات اللغوية : فَاسْتَفْتِهِمْ استخبرهم واطلب منهم الفتيا توبيخا لهم ، وهو معطوف على مثله في أول السورة ، فإنه تعالى أمر رسوله أولا باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث ، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة ، حيث جعلوا للّه البنات ، ولأنفسهم البنين ، في قولهم : الملائكة بنات اللّه . أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ بزعمهم أن الملائكة بنات اللّه . وَلَهُمُ الْبَنُونَ فيختصون بالأعلى ، ويجعلون للّه الأدنى . وَهُمْ شاهِدُونَ الخلق ، لأن أمثال ذلك لا يعرف إلا بالشهود أو الحضور . أَمْ بمعنى « بل » الإضرابية ، مع همزة الاستفهام . إِفْكِهِمْ الإفك : أشد الكذب . وَلَدَ اللَّهُ بقولهم : الملائكة بنات اللّه . لَكاذِبُونَ فيما ادعوه ، وتدينوا به . أَصْطَفَى اختار ، والاصطفاء : أخذ صفوة الشيء . وهو استفهام إنكار واستبعاد . ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم الفاسد الذي لا يرتضيه عقل . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ أنه منزه عن ذلك من الولد والشريك والند والنظير . سُلْطانٌ مُبِينٌ حجة واضحة ، نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته ، أو أن للّه ولدا . فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ الذي أنزل عليكم . إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادعائكم أو قولكم ذلك . وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً أي جعل المشركون بينه تعالى وبين الملائكة نسبا أي صلة وارتباطا بقولهم : إنها بنات اللّه ، وسموا بالجنّة لاستتارهم عن الأبصار . وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ إن الكفرة قائلي ذلك . لَمُحْضَرُونَ للنار للعذاب فيها . سُبْحانَ اللَّهِ تنزيها للّه . عَمَّا يَصِفُونَ من الولد ( بأن للّه ولدا ) والنسب إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي لكن عباد اللّه الذين اصطفاهم ربهم ينزهون اللّه تعالى عما يصفه هؤلاء ، وهو استثناء منقطع . فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ من الأصنام ، وهو عود لخطابهم . ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ على اللّه بِفاتِنِينَ أحدا ، مفسدين الناس بالإغواء ، حاملين إياهم على الضلال والفتنة . وعليه : متعلق بفاتنين . إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ إلا من سبق في علم اللّه تعالى أنه من أهل النار يصلاها لا محالة ، يقال : صلي النار : دخلها . وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ أي قال جبريل للنبي ص : ما منا معشر الملائكة أحد إلا له مقام معلوم في السماوات ، يعبد اللّه فيه لا يتجاوزه . وهذا اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم . وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ صفوفا في أداء الطاعة ومنازل الخدمة . وَإِنَّا لَنَحْنُ