وهبة الزحيلي

110

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فاعتل بالسقم فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي تركوه وذهبوا إلى عيدهم فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ ذهب أو مال خفية إلى أصنامهم وعندها الطعام ، ومنه يقال : روغان الثعلب أي الميل فَقالَ : أَ لا تَأْكُلُونَ قال استهزاء وسخرية : ألا تأكلون من الطعام الذي صنعوه لكم ؟ فلم ينطقوا . ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ لا تجيبوني ، وقد علم أنها جمادات لا تنطق فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ مال عليهم يضربهم بقوة وشدة ، فكسرهم فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ أي أقبل إليه عبدة تلك الأصنام يسرعون المشي ، لما علموا بما صنعه بها ، فقالوا : نحن نعبدها وأنت تكسرها ؟ قالَ : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ أي قال لهم موبخا : أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها ؟ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ أي خلقكم وخلق الذي تصنعونه ، فاعبدوه وحده . قالُوا : ابْنُوا لَهُ بُنْياناً ، فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ أي تشاوروا فيما بينهم أن يبنوا له بنيانا من حجارة ، ويملأوه حطبا ، ويضرموه ، ثم يلقوه فيه . والجحيم : النار الشديدة فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً بإلقائه في النار لتهلكه فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ المقهورين ، فصارت النار بعد إلقائه عليها بردا وسلاما ، ولم تؤثر فيه . ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ مهاجر من بلد قومي دار الكفر إلى حيث أمرني بالمهاجرة إليه وهو الشام ، أو إلى حيث أتمكن من عبادته هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ أي ولدا صالحا يعينني على طاعتك ، ويؤنسني في الغربة فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ أي بصبي ذكر يكبر ويصير حليما ، أي ذا حلم كثير . المناسبة : هذه قصة ثانية تبين مدى الصلة الوثيقة والارتباط العميق بين الأنبياء في رسالاتهم ، افتتحت بأن إبراهيم عليه السلام من شيعة نوح ، أي من أهل بيته وعلى دينه ومنهاجه ، فهما مصدر الخير والسعادة للناس ، فكانت قصة إبراهيم أبي الأنبياء بعد قصة نوح أبي البشر الثاني عليهما السلام ، والأول نجاه اللّه من الغرق ، والثاني نجاه اللّه من النار . التفسير والبيان : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ أي وإن إبراهيم عليه السلام ممن سار على دين نوح عليه السلام ومنهجه وسلك طريقه في الدعوة إلى توحيد اللّه والإيمان به