وهبة الزحيلي

101

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وبعد وصف عذابهم في أكلهم وشربهم ذكر اللّه تعالى علة العذاب قائلا : إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ ، فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ أي إنهم وجدوا وصادفوا آباءهم على الضلال ، فاقتدوا بهم وقلدوهم ، من غير تعقل ولا تدبر ، ولا حجة وبرهان ، فهم يتبعون آباءهم في سرعة ، كأنهم حرّضوا على ذلك ، وأزعجوا إلى اتباع آبائهم . ثم بيّن اللّه تعالى أن الكفر ظاهرة قديمة ، وأتباعه كثر ، تسلية للرسول ص في كفر قومه وتكذيبهم ، فقال : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ أي إن أكثر الأمم الماضية كانوا ضالين ، يجعلون مع اللّه آلهة أخرى . ولكن رحمته تعالى لم تتركهم دون إنذار ، فقال : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أي أرسل اللّه في الأمم الماضية أنبياء ورسلا ينذرونهم بأس اللّه ، ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به ، وعبد غيره ، لكنهم تمادوا في مخالفة رسلهم وتكذيبهم فأهلكهم اللّه ، كما قال : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ فانظر أيها الرسول والمخاطب كيف كان مصير الكافرين المكذبين ، أهلكهم اللّه ودمّرهم وصاروا إلى النار ، مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، ثم استثنى تعالى منهم المؤمنين قائلا : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي لكن نجى اللّه عباده الذين اصطفاهم وأخلصهم لطاعته ، بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد ، والعمل بأوامر اللّه ، ففازوا بجنان الخلد ، ونصرهم في الدنيا . ويفهم من هذه التسلية للرسول ص أنه يجب عليه أن يكون له أسوة بمن