الغزالي
3
إحياء علوم الدين
الجزء الرابع عشر [ تتمة ربع المنجيات ] [ تتمة كتاب التوحيد والتوكل ] [ تتمة الشطر الثاني من الكتاب ] بيان توكل المعيل اعلم أن من له عيال فحكمه يفارق المنفرد . لأن المنفرد لا يصح توكله إلا بأمرين . أحدهما : قدرته على الجوع أسبوعا من غير استشراف وضيق نفس والآخر : أبواب من الإيمان ذكرناها ، من جملتها أن يطيب نفسا بالموت إن لم يأته رزقه ، علماء بأن رزقه الموت والجوع ، وهو وإن كان نقصا في الدنيا فهو زيادة في الآخرة فيرى أنه سيق إليه خير الرزقين له وهو رزق الآخرة ، وأن هذا هو المرض الذي به يموت ويكون راضيا بذلك ، وأنه كذا قضى وقدر له ، فبهذا يتم التوكل للمنفرد ولا يجوز تكليف العيال الصبر على الجوع ، ولا يمكن أن يقرر عندهم الإيمان بالتوحيد وأن الموت على الجوع رزق مغبوط عليه في نفسه إن اتفق ذلك نادرا . وكذا سائر أبواب الإيمان . فإذا لا يمكنه في حقهم إلا توكل المكتسب ، وهو المقام الثالث ، كتوكل أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ خرج للكسب فأما دخول البوادي وترك العيال توكلا في حقهم ، أو القعود عن الاهتمام بأمرهم توكلا في حقهم ، فهذا حرام ، وقد يفضي إلى هلاكهم ، ويكون هو مؤاخذا بهم . بل التحقيق أنه لا فرق بينه وبين عياله ، فإنه إن ساعده العيال على الصبر على الجوع مدة ، وعلى الاعتداد بالموت على الجوع رزقا وغنيمة في الآخرة ، فله أن يتوكل في حقهم . ونفسه أيضا عيال عنده ، ولا يجوز له أن يضيعها إلا أن تساعده على الصبر على الجوع مدة . فإن كان لا يطيقه ، ويضطرب عليه قلبه ، وتتشوّش عليه عبادته ، لم يجز له التوكل ولذلك روي أن أبا تراب التخشي نظر إلى صوفي مدّ يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام ، فقال له : لا يصلح لك التصوّف ، الزم السوق . أي لا تصوّف إلا مع التوكل ولا يصح التوكل إلا لمن يصبر عن الطعام أكثر من ثلاثة أيام وقال أبو علي الروذباري : إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق ، ومروه بالعمل والكسب . فإذا بدنه عياله ، وتوكله فيما يضر بدنه كتوكله في عياله . وإنما يفارقهم في شيء واحد وهو أن له تكليف نفسه الصبر على الجوع ، وليس له ذلك في عياله