وهبة الزحيلي
87
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
رواه أحمد والشيخان والترمذي عن عقبة بن عامر : « إياكم والدخول على النساء » . وعلل تعالى طلب مغادرة البيوت بعد الطعام بقوله : إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ، وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أي إن بقاءكم واشتغالكم بالحديث والدخول قبل نضج الطعام كان يؤذي النبي - وإيذاؤه حرام - ويشق عليه ، لمنعه من قضاء بعض حاجته ، ولما فيه من المضايقة لأهل البيت ، ولكن كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى أنزل اللّه عليه النهي عن ذلك ، واللّه لا يترك بيان الحق وهو الأمر بالخروج ومنعهم من البقاء والمكث . وهذا أدب عام لا يقتصر على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما يشمل سائر المؤمنين . ويحرم اللبث إذا كان فيه إيذاء لصاحب البيت . وقد نصت آيات سورة النور [ 27 - 31 ] على بيوت المؤمنين وآية الأحزاب [ 59 ] في حجاب نسائهم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ . 3 - وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أي وكما نهيتكم عن الدخول إلى بيوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من غير إذن ودون انتظار إدراك الطعام ، كذلك نهيتكم عن النظر إلى زوجات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا طلبتم منهن شيئا ينتفع به ، من ماعون وغيره ، فاطلبوه من وراء حجاب ساتر ، وحائل مانع من النظر . وسبب النهي عن ذلك ، والأمر بالحجاب كما قال تعالى : ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ أي إن هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الدخول بالإذن ، والخروج عقب الطعام دون الاستئناس بالحديث ، والحجاب أطهر وأطيب للنفس ، وأبعد عن الريبة والتهمة والفتنة ، وأكثر طمأنينة للقلوب من الهواجس والوساوس الشيطانية .