وهبة الزحيلي
35
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وباطنهم سواء ؛ لأن اللّه تعالى أعلم نبيه بأن زيدا سيطلّق زينب وينكحها هو ، فما الداعي لوعظه وقوله له : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ؟ . وقد أخفى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما أخبره اللّه به من طلاق زينب وزواجه ، لا أنه أخفى استحسانها وحبّه لها والحرص على طلاق زيد إياها ، كما يقول قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين ، منهم الطبري وغيره ، فهذا لا يليق بمنصب النبوة ، ولا يتفق مع الواقع ، فإنه كان بإمكانه أن يتزوجها وهي بكر ، وهو يعرفها ؛ لأنها ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب ، وكانت هي ترغب بذلك ، بدليل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما خطبها لزيد ، ظنت أنه خطبها لنفسه ، والخلاصة : أن قائل ذلك - إن تعمد - جاهل بعصمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن مثل هذا ، أو مستخف بحرمته . وأشد قبحا ما قال مقاتل : زوّج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم زينب بنت جحش من زيد ، فمكثت عنده حينا ، ثم إنه صلّى اللّه عليه وسلّم أتى زيدا يوما يطلبه ، فأبصر زينب قائمة ، كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش ، فهويها وقال : « سبحان مقلّب القلوب » فسمعت زينب بالتسبيحة ، فذكرتها لزيد ، ففطن زيد ، فقال : يا رسول اللّه ، ائذن لي في طلاقها ، فإن فيها كبرا ، تعظم علي وتؤذيني بلسانها ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ . وأحسن ما قيل في تأويل هذه الآية ، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين ، كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري الفقيه المالكي الذي ولي قضاء العراق ، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم : هو ما روي عن علي بن الحسين : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان قد أوحى اللّه تعالى إليه أن زيدا يطلّق زينب ، وأنه يتزوجها بتزويج اللّه إياها ، فلما تشكّى زيد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم خلق زينب ، وأنها لا تطيعه ، وأعلمه أنه يريد طلاقها ، قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على جهة الأدب