وهبة الزحيلي
306
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ أي قال اللّه تكريما له بعد قتله : ادخل الجنة ، لاستشهادك في سبيل إعلان الحق ، فدخلها وهو يرزق فيها ، فلما عاين نعيمها قال : يا ليت قومي يعلمون بمآلي وحسن حالي وحميد عاقبتي ، فيؤمنوا مثل إيماني ، فيصيروا إلى مثل ما أنا فيه من نعيم ، وليتهم يعلمون بما أنعم اللّه عليّ من مغفرة لذنوبي ، وبما جعلني في زمرة المكرمين المقربين الشهداء الذين منحهم ربهم الثواب الجزيل والفضل العميم . وهذا شأن المؤمن المخلص يحب الخير للناس جميعا ، قال قتادة : لا تلقى المؤمن إلا ناصحا ، لا تلقاه غاشّا . فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت الآيات إلى ما يأتي : 1 - لم يترك اللّه سبحانه في قرآنه سبيلا لدعوة الناس إلى الإيمان الصحيح ، سواء بالأدلة والبراهين ، أو بإعمال الفكر والعقل ، أو بالتأمل والمشاهدة ، أو بضرب الأمثال ، أو بذكر القصص للعظة والعبرة . والمراد من بيان قصة أصحاب القرية : توضيح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بإنذار المشركين من قومه ، حتى لا يحل بهم ما حلّ بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل . 2 - يكون الرسول عادة من جنس المرسل إليهم ، حتى لا يبادروا إلى الإعراض بحجة المغايرة والمخالفة ، فتكون شبهة الكافرين ببشرية الرسل في غير محلها ، وإنما الباعث عليها الاعتزاز بالنفس والاستعلاء والاستكبار فيما يبدو . 3 - يؤكد الرسل عادة صدقهم بالمعجزات ، وأما رسل عيسى فقد ذكروا للقوم معجزاته ، وأقسموا باللّه أنهم رسل اللّه الذين بعثهم عيسى بأمر ربه ، وإن كذبوهم ، لم يجدوا سبيلا إلا التصريح بمهمتهم بالتحديد ، وهي إبلاغ الرسالة ، والاعلام الواضح في أن اللّه واحد لا شريك له .