وهبة الزحيلي
295
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والمراد بالقول : الحكم والقضاء الأزلي ، وهو سبق علم اللّه بنهاياتهم ، لا بطريق الجبر والإلجاء ، بل باختيارهم وإصرارهم على الكفر ، وفي هذا تطمين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى لا يجزع ولا يأسف على عدم إيمانهم به . ثم ضرب اللّه تعالى مثلا لتصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى إيمانهم ، فقال : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا ، فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ أي إنا جعلنا أيديهم مشدودة إلى أعناقهم بالقيود ، تمنعهم من فعل شيء ، فصاروا مرفوعي الرؤوس خافضي الأبصار . وهذا يعني أن اللّه جعلهم كالمغلولين المقمحين ( الرافعي رؤوسهم الغاضي أبصارهم ) في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ، ولا يوجهون أنظارهم نحوه ، وهم أيضا كالقائمين بين سدين ، لا يبصرون أمامهم ولا خلفهم ، وأنهم متعامون عن النظر في آيات اللّه ، كما قال : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ، فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ أي تأكيدا لما سبق في تصوير حالتهم أنهم بتعاليهم عن النظر في آيات اللّه جعلوا كمن أحاط به سدان من الأمام والخلف ، فمنعاه من النظر ، فهو لا يبصر شيئا ، وهؤلاء لا ينتفعون بخير ، ولا يهتدون إليه ؛ لأنا غطينا أبصارهم عن الحق . وهذا مثل صائب لأهل الجهالة والتخلف والبدائية الذين حجبوا مداركهم وأبصارهم عن التأمل في معطيات المدنية والتقدم والحضارة ، وهو تمثيل رائع للسد الإلهي المعنوي بالسد الحاجز المادي الحسي . ونتيجة لما سبق : وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي إن إنذارك لهؤلاء المصرين على كفرهم وعدمه سواء ، فلا ينفعهم الإنذار ، ما داموا غير مستعدين