وهبة الزحيلي
292
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أي إن القرآن تنزيل منزل من العزيز الغالب في ملكه ، الرحيم بخلقه . لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ اللام متعلق ب تَنْزِيلَ ، والمعنى أرسلناك بهذا التنزيل لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم الأقربون ، في زمن الفترة ، أو لتطاول مدة الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام . غافِلُونَ أي إن القوم العرب غافلون عن الإيمان والرشد ، وعن الشرائع والأحكام . حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ وجب الحكم بالعذاب على أكثر أهل مكة : وهم من مات على الكفر وأصرّ عليه . فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لأنهم ممن علم اللّه أنهم لا يؤمنون بالقرآن . أَغْلالًا جمع غلّ : وهو ما تجمع به اليد إلى العنق للتعذيب . فَهِيَ الأيدي مجموعة . إِلَى الْأَذْقانِ جمع ذقن : وهي مجتمع اللّحيين . مُقْمَحُونَ رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها ، غاضون أبصارهم في عدم التفاتهم إلى الحق . وهذا تمثيل ، يراد به أنهم لا يذعنون للإيمان ولا يخفضون نفوسهم له . مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أمامهم ، والمراد : منعناهم عن الإيمان بموانع هي استكبارهم وعتوهم وعنادهم عن قبول الحق والخضوع له . فَأَغْشَيْناهُمْ غطينا أبصارهم . فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ أي فهم بسبب ذلك لا يقدرون على إبصار سبيل الهدى ، إنهم عموا عن البعث ، وعن قبول الشرائع الإلهية . وهذا تمثيل أيضا لسد طريق الإيمان عليهم ؛ لأن اللّه سبحانه قد علم منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر والموت عليه . والعلم : مجرد معرفة مسبقة لا يمنع الإنسان عقلا وواقعا من الإيمان ؛ لأنه غير معروف له . وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي إنذارك إياهم وعدمه سواء ، فلا ينفعهم الإنذار ، بسبب العتو والاستكبار . إِنَّما تُنْذِرُ ينفع إنذارك . مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ أي اتبع القرآن ، وخاف عقاب اللّه في السر والعلن ، وإن لم يره ، والغيب : أي قبل معاينة أهواله . وَأَجْرٍ كَرِيمٍ هو الجنة . إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى نبعثهم بعد الموت . وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا أي نكتب في اللوح المحفوظ ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة . وَآثارَهُمْ أي ما أبقوه بعدهم من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت ، كالعلم والكتاب والمسجد والمشفى والمدرسة ، أو من السيئات كنشر البدع والمظالم والأضرار والضلالات بين الناس . وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ أي كل شيء من أعمال العباد وغيرها ضبطناه في اللوح المحفوظ أو في صحائف الأعمال . سبب النزول : نزول الآية ( 1 ) : يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ : أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال :