وهبة الزحيلي

291

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ويقرأ بالرفع على تقدير مبتدأ محذوف ، تقديره : هو تنزيل ، ويقرأ أيضا بالجر على البدل من القرآن . ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ قَوْماً : إما نافية ، وإما مصدرية في موضع نصب ، تقديره : لتنذر قوما إنذارا مثل إنذارنا آباءهم ، ممن كانوا في زمان إبراهيم وإسماعيل . وَآثارَهُمْ هي السنن التي سنّوها ، فيه محذوف تقديره : سنكتب ذكر ما قدموا وذكر آثارهم ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه . وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كُلَّ منصوب بفعل مقدر دلّ عليه أَحْصَيْناهُ أي أحصينا كل شيء أحصيناه . البلاغة : إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ في كل منهما تأكيد بأكثر من مؤكد وهو ( إن ) واللام ؛ لأن المخاطب منكر ، وهذا التأكيد يسمى إنكاريا . إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا استعارة تمثيلية ، شبه حال الكفار في امتناعهم عن الإيمان بمن غلّت يده إلى عنقه بالقيود ، فصار مرفوع الرأس خافض البصر ، لا يستطيع فعل شيء ولا الالتفات إلى غيره . وكذلك شبه حالهم بمن وجد بين سدّين لا يستطيع النفاذ والاهتداء لطريقه . مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ بينهما طباق . أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ بينهما طباق السلب . نَحْنُ نُحْيِ جناس ناقص لتغير الحروف . المفردات اللغوية : يس تقرأ : يا ، س بمد الياء ، وإظهار النون الساكنة ، أو بإدغام نون السين في الواو التي بعدها ، إلخ ما ذكر في الحاشية ، والمراد من هذه الحروف المقطعة الهجائية كما سبق بيانه التنبيه ، مثل ألا ويا ، والإشارة إلى العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف تتركب منها لغتهم وكلامهم ، ليكون عجزهم عنه أبلغ حجة عليهم . وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ الواو : واو القسم ، يقسم اللّه تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن المحكم بعجيب النظم وبديع المعاني ، أو بذي الحكمة ، على أن محمدا رسول من عند اللّه ، لئلا يشك أحد في كونه مرسلا . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ أي الأنبياء المرسلين إلى قومهم وغيرهم ، والتأكيد بالقسم واللام للرد على من أنكر رسالته من الكفار بقولهم : لست مرسلا . عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي الطريق القويم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج ، بل هو الموصل إلى المطلوب ، في العقيدة والشريعة ، في التوحيد والاستقامة في الأمور .