وهبة الزحيلي
260
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها ، وَغَرابِيبُ سُودٌ أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو مشاهد من بيض وحمر ، وفي بعضها طرائق وهي الجدد مختلفة الألوان أيضا . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ أي وخلق أيضا خلقا آخر من الناس والدواب والأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم مختلفة الألوان في الجنس الواحد ، بل وفي النوع الواحد ، وفي الحيوان الواحد ، كاختلاف الثمار والجبال . وقوله : مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ، أي خلق مختلف ألوانه ، كما قال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [ الروم 30 / 22 ] . والدواب : كل ما دب على القوائم ، و الْأَنْعامِ من باب عطف الخاص على العام . وكلمة كَذلِكَ هنا تمام الكلام ، أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية . وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان والأصباغ في هذه الأشياء ؛ لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة اللّه وبديع صنعه ، فذكر أولا اختلاف الألوان في ثمار النبات ، ثم ذكر اختلاف الألوان في الجمادات ، ثم في الناس والحيوان . أخرج الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : أيصبغ ربك ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : نعم صبغا لا ينفض ، أحمر وأصفر وأبيض » . ثم ذكر مستأنفا من يعرف جمال ذلك ودقائقه وهم العلماء فقال : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ أي إنما يخاف اللّه بالغيب العالمون به ، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة ، ومنها عظيم قدرته على صنع ما يشاء وفعل ما يريد ، فمن كان أعلم باللّه ، كان أخشاهم له ،