وهبة الزحيلي
210
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
قال الرازي : ذكر الأصول الثلاثة في هذه الآية بعد ما سبق منه تقريرها بالدلائل ، فقوله : أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ إشارة إلى التوحيد ، وقوله : ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ إشارة إلى الرسالة ، وقوله : بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ إشارة إلى اليوم الآخر . ولما نفى تعالى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الجنون المستلزم كونه نبيا ، ذكر سببا آخر يلزم منه أنه نبي : وهو عناؤه الشديد في دعوته لا لغرض دنيوي عاجل ، وإنما بقصد الثواب الأخروي ، فقال : قُلْ : ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي قل أيها الرسول للمشركين : لا أريد منكم أجرا ولا عطاء على أداء رسالة اللّه عز وجل إليكم ، ونصحي لكم ، وأمري بعبادته تعالى ، إنما أطلب ثواب ذلك من عند اللّه تعالى ، واللّه عالم بجميع الأمور ، من صدقي في تبليغ الرسالة ، وما أنتم عليه . ثم صرح تعالى بأن ما جاء به هذا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إنما هو وحي من عند اللّه ، فقال : قُلْ : إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ، عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي قل للمشركين : إن اللّه يرسل الملك بالوحي إلى من يشاء من عباده ، فمن يصطفيهم لرسالته ، وهو علام الغيوب ، فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض . وهذا كما قال تعالى : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ غافر 40 / 15 ] وقال سبحانه : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام 6 / 124 ] . وبعد أن ذكر اللّه تعالى أنه يقذف بالحق بصيغة الاستقبال ، أخبر أن ذلك الحق قد جاء فقال :