وهبة الزحيلي
206
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وتكرار الفعل : قالُوا والتصريح بذكر الكفرة ، وقوله : لَمَّا جاءَهُمْ من المبادهة بالكفر وأنه حين جاءهم لم يفكروا فيه ، بل بادروه بالإنكار : دليل على صدور الكفر عن إنكار عظيم له ، وغضب شديد منه ، وتعجيب بليغ منه ، كأنه قال : وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على اللّه ، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المنير قبل أن يتذوقوه : ما هو إلا سحر واضح لمن يتأمله . وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها أي ما أنزلنا على العرب كتبا سماوية يدرسون فيها ، وهو دليل على صحة الإشراك وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ يدعوهم إليه ، وينذرهم بالعذاب على تركه . وهذا في غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم ، فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وجه ، ولا شبهة يعتمدون عليها ، إذ لم يأتهم كتاب ، ولا نذير بهذا الذي فعلوه ، فمن أين كذبوك ؟ ! وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ أي وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال فأهلكهم اللّه ، كعاد وثمود ونحوهم ، والمعشار : هو العشر أي عشرة في المائة ، وقيل : هو عشر العشر ، أي واحد في المائة فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب والعقوبة ؟ أي هو واقع موقعه . أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه ، وأوصيكم بخصلة واحدة وهي أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى أي أن تقوموا في طلب الحق بالفكرة الصادقة متفرقين : اثنين اثنين ، أو واحدا واحدا ؛ لأن الاجتماع يشوش الفكر . ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا تنظروا في حقيقة أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به من الكتاب ، فتعلموا أنه ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بمجنون ولا ساحر ، فليس في أحواله ولا تصرفاته ما يدل على ذلك ، ومجيئه بالوحي دليل ظاهر على صدقه إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ما هو إلا منذر لكم قبل مجيء عذاب شديد في الآخرة إن عصيتموه ، وقد علمتم أنه أرجح الناس عقلا ، وما جربتم عليه كذبا مدة عمره فيكم . قُلْ : ما سَأَلْتُكُمْ قل لهم : ما طلبت منكم على الإنذار والتبليغ مِنْ أَجْرٍ مال مقابل الرسالة إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ما ثوابي إلا على اللّه ، لا على غيره وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ مطلع ، لا يغيب عنه شيء ، يعلم صدقي . قُلْ : إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ يتكلم بالحق ويلقيه إلى أنبيائه ، وهو القرآن والوحي عَلَّامُ الْغُيُوبِ يعلم ما غاب عن خلقه في السماوات والأرض جاءَ الْحَقُّ أي الإسلام والتوحيد ، والقرآن الذي فيه البراهين والحجج وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ أي لا أثر للكفر أو الشرك ، فهو لا حقيقة له بدءا وإعادة . إِنْ ضَلَلْتُ عن الحق وطريقه فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي أي إثم ضلالتي يكون على نفسي فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي من القرآن والحكمة والموعظة إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مني ومنكم ، يعلم الهدى والضلالة .