وهبة الزحيلي
175
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وهؤلاء الشفعاء المأذون لهم لا يشفعون إلا لمن يستحق الشفاعة ، لا للكافرين ، كما قال تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة 2 / 255 ] وقال سبحانه : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [ النجم 53 / 26 ] وقال عز وجل : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء 21 / 28 ] وقال عز اسمه : لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [ النبأ 78 / 38 ] . ومفاد هذه الآيات : أن الشفاعة تحتاج إلى إذن اللّه تعالى ، ولا شفاعة إلا لمن ارتضى اللّه ، وأن تكون أسباب الشفاعة حقا وصوابا مقبولا ، لهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو سيد ولد آدم ، وأكبر شفيع عند اللّه تعالى حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم حينما يأتي ربهم لفصل القضاء ، أنه قال : « فأسجد للّه تعالى ، فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني ، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن ، ثم يقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع » . وفي هذا الموقف الرهيب يتجلى مقام رفيع من العظمة الإلهية ، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي ، فسمع أهل السماوات كلامه ، أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي ، كما قال ابن مسعود رضي اللّه عنه ومسروق وغيرهما . وهنا ذكر اللّه تعالى ما يحدث بعد انتظار الإذن بالشفاعة ، فقال : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ؟ قالُوا : الْحَقَّ ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي إن الناس والملائكة يقفون فزعين خائفين منتظرين الإذن بالشفاعة ، حتى إذا أذن للشافعين ، وأزيل الخوف والفزع عنهم ، قال بعضهم لبعض : ما ذا قال ربكم في الشفاعة ؟ قالوا للذي قال : قال ربنا القول الحق ، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى ، واللّه هو المتفرد بالعلو والكبرياء والعظمة ،