وهبة الزحيلي

158

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قالت : دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا مستترة بقرام « 1 » فيه صورة ، فتلوّن وجهه ، ثم تناول السّتر فهتكه ، ثم قال : « إنّ من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبّهون بخلق اللّه عزّ وجلّ » . هذا ما يراه ابن العربي والقرطبي « 2 » في أن المنع من التصوير عام ، ثم استثنيت منه أشياء ، مثل لعب البنات ، بالحديث الذي رواه مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها . واستبعد جماعة من العلماء هذا الاتجاه ؛ لأن النسخ يشترط فيه العلم بالتاريخ ، والأولى في الجمع بين الأحاديث : أن يقال : تحمل النصوص التي فيها الحظر بإطلاق على ما كان منها مجسدا لذي روح ، بدليل حديث « أشدّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون خلق اللّه » و من طريق آخر : « يقال لهم : أحيوا ما خلقتم » فيكون المنع متجها إلى صور الأجسام ذات الروح إذا كانت على حالة بحيث يمكن أن يقال : إن صاحبها يضاهي بها خلق اللّه ، وذلك إذا كانت كاملة الخلق ، بحيث لا ينقصها إلا نفخ الروح . وأما حديث الأمر بتحويل السّتر الذي فيه تمثال طائر ، فلاستقبال المارة له ، مما يشعر بتعظيمه ، فإذا وضع للاستعمال فلا بأس . أما تصوير الجمادات ، كالجبال والأنهار ، والأشجار ونحوها ، فليست مما يتناولها النص بإشارة : « يشبّهون خلق اللّه » وبإشارة « يقال لهم : أحيوا ما خلقتم » . وكذلك كل ما وضع في حالة لا تشعر بالتعظيم كالاستعمال في الأرض لا يكون ممنوعا .

--> ( 1 ) القرام : السّتر الرقيق . ( 2 ) أحكام القرآن لابن العربي : 4 / 1589 - 1590 ، تفسير القرطبي : 14 / 272 - 274