وهبة الزحيلي
156
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لا يعلمون الغيب كما زعموا ، ولو صحّ ما يزعمونه من أنهم يعلمون الغيب ، لعلموا بموته وهو أمامهم ، ولم يلبثوا بعد موته مدة طويلة في العمل الشاق الذي سخرهم فيه ، ظانين أنه حيّ . أما المدة التي مكث فيها سليمان متكئا على عصاه فلم يرد خبر صحيح في شأنها ، ونترك الأمر في تقديرها للّه عزّ وجلّ ، وربما يستأنس بالحديث المرفوع الذي رواه إبراهيم بن طهمان عن ابن عباس وفيه : « أن سليمان نحت عصا الخرنوبة ، فتوكأ عليها حولا لا يعلمون ، فسقطت ، فعلم الإنس أن الجنّ لا يعلمون الغيب ، فنظروا مقدار ذلك ، فوجدوه سنة » « 1 » . قال الرازي : وقوله : ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ دليل على أن المؤمنين من الجن لم يكونوا في التسخير ؛ لأن المؤمن لا يكون في زمان النبي في العذاب المهين « 2 » . فقه الحياة أو الأحكام : يستنبط من الآيات ما يأتي : 1 - امتنّ اللّه تعالى على سليمان عليه السلام بما أنعم عليه من النعم الجليلة أهمها ثلاث : تسخير الريح ، وإذابة النحاس ، وتسخير الجنّ للعمل بأمره . أما تسخير الريح فكانت تحمل بساطه تنقله من مكان إلى آخر ، فتقطع مسافة في نصف يوم تقدر بمسيرة شهر للمسافر العادي ، وهذا معنى : غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ . 2 - والنعمة الثانية هي إذابة النحاس في يده .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 14 / 279 ( 2 ) تفسير الرازي : 25 / 250