وهبة الزحيلي

149

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي جعلنا الحديد في يده لينا يصنع به ما يشاء ، من غير حاجة إلى نار ولا مطرقة ، بل كان يفتله في يده مثل الخيوط ، ليعمل به الدروع الكاملات الواسعات التي تقي من ويلات الحروب ، وعلمه كيفية نسج الدروع بحيث تكون متناسبة الحلق ، وعلى قدر الحاجة ، فلا هي صغيرة ضيقة لا تحقق الهدف ، ولا كبيرة ثقيلة على لابسها ، فيعجز عن لبسها . ولا شك أن إلانة الحديد من غير نار ولا طرق معجزة لنبي اللّه داود ، لا تنطبق على غيره . وكان داود عليه السلام أول من صنع الدروع ، قال قتادة رحمه اللّه : « كانت الدروع قبله صفائح ثقالا » فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة ، أي قدّر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه ، أي لا تقصد الحصانة فتثقل ، ولا الخفة فتزيل المنعة . وَاعْمَلُوا صالِحاً ، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي اعملوا يا آل داود عملا صالحا فيما أعطاكم اللّه تعالى من النعم ؛ فإني مراقب لكم ، بصير بأعمالكم وأقوالكم ، لا يخفى عليّ شيء منها . وقوله : إِنِّي بِما . . تعليل للأمر . وهذا تحريض على إصلاح العمل لشكر النعمة ، والعمل الصالح يقوّم النفوس ، ويصقل الروح ، ويحصنها من المزالق والانحرافات . فقه الحياة أو الأحكام : دلت الآيات على ما يأتي : 1 - لقد منح اللّه تعالى عبده المنيب ورسوله داود عليه السلام فضلا عظيما ، فضّله به على سائر الأنبياء من قبله ، من الجمع بين النبوة والملك والزبور والعلم والجنود وتسبيح الجبال والطيور مع تسبيحه ، قال تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ [ ص 38 / 18 ] .