وهبة الزحيلي

108

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

- وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت : لما نزلت هذه الآية : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ خرج نساء الأنصار ، كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة ، وعليهن أكسية سود يلبسنها . والمقصود بالآية التي نزلت بعد استقرار الشريعة أن يكون الستر المأمور به زائدا على ما يجب من ستر العورة ، وهو أدب حسن يبعد المرأة عن مظان التهمة والريبة ، ويحميها من أذى الفساق . واللباس الشرعي : هو الساتر جميع الجسد ، الذي لا يشف عما تحته ، فإن كانت المرأة في بيتها وأمام زوجها فلها أن تلبس ما تشاء . ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي إن إدناء الجلابيب أو التستر أقرب أن يعرفن أنهن حرائر ، لسن بإماء ولا عواهر ، فلا يتعرّض لهن بالأذى من أهل الفسق والريبة ، وكان اللّه غفورا لما سلف منهن من إهمال التستر ، ولمن امتثل أمره إذا أخل بالتستر خطأ بغير قصد ، واسع الرحمة بعباده حيث راعى مصالحهم وأرشدهم إلى هذا الأدب الحسن . أما الإماء فلم يكلفهن الشرع بالتستر الكامل دفعا للحرج والمشقة في التقنع ، وتيسيرا لهن القيام بخدمات السادة . هذا رأي الجمهور . وقال أبو حيان : والظاهر أن قوله : وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يشمل الحرائر والإماء ، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن ، بخلاف الحرائر ، فيحتاج إخراجهن - أي الإمام - من عموم النساء إلى دليل واضح « 1 » .

--> ( 1 ) البحر المحيط : 7 / 250