وهبة الزحيلي
69
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التفسير والبيان : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ أي ومن آياته تعالى الدالة على عظمته وكمال قدرته على الخلق والإيجاد والإعدام والإفناء بدء خلق الإنسان ، فخلق أباكم في الأصل من تراب ، وجعل مصدر غذائكم من لحوم الحيوان والنبات من التراب ، ثم بعد إنشائكم تعمرون الأرض وتتوزعون فيها لأغراض مختلفة من بناء المدائن والحصون ، وزراعة الحقول ، والاتّجار بالسفر في البلاد المختلفة لتحصيل الأرزاق ، وكسب المعايش ، وجمع الأموال ، مع اختلاف المواهب والعقول والأفكار ، والغنى والفقر ، والسعادة والتعاسة . روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود ، وبين ذلك ، والخبيث والطيب ، والسهل والحزن ، وبين ذلك » . ثم ذكر اللّه تعالى طريق بقاء النوع الإنساني فقال : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي ومن آياته الدالة على قدرته ورحمته أن خلق النساء لكم من جنس الرجال ، وجعل بدء خلق المرأة من جسد الرجل ، ليتحقق الوفاق ويكتمل الأنس ، وجعل بين الجنسين المودة أي المحبة ، والرحمة أي الشفقة ليتعاون الجنسان على أعباء الحياة ، وتدوم الأسرة على أقوى أساس وأتم نظام ، ويتم السكن والاطمئنان والراحة والهدوء ، فإن الرجل يمسك المرأة ويتعلق بها إما لمحبته لها ، أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد ، أو محتاجة إليه في الإنفاق ، أو للألفة بينهما وغير ذلك . إن في ذلك الخلق والإيجاد الأصلي من التراب ، وجعل الأزواج من أنفس