وهبة الزحيلي
67
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
آدم من تراب . ثُمَّ إِذا هي للمفاجاة . أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ بَشَرٌ من دم ولحم تنتشرون في الأرض ، تبتغون من فضل اللّه . مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً بأن خلق حواء من ضلع آدم ، وسائر النساء من نطف الرجال والنساء ، أو المعنى : أنهن خلقن من جنس الرجال ، لا من جنس آخر . لِتَسْكُنُوا إِلَيْها لتميلوا إليها وتألفوها ، فإن اتحاد الجنس علة للضم والاجتماع ، والاختلاف سبب للتنافر . وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً أي وجعل بين الرجال والنساء أو بين أفراد الجنس مودة ورحمة بواسطة الزواج ، بخلاف سائر الحيوانات ، تنظيما لأمر المعيشة ، قال السّدّي : المودة : المحبة ، والرحمة : الشفقة . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي إن في ذلك المذكور لآيات دالة على قدرة اللّه ، لقوم يتفكرون في صنع اللّه تعالى ، فيعلمون ما في ذلك من الحكم . وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ لغاتكم من عربية وغير عربية . وَأَلْوانِكُمْ من بياض وسواد وغيرهما ، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة ، أو اختلاف في تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها وجمالها ، بحيث وقع التمايز والتعارف . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ أي لدلالات على قدرته تعالى لذوي العقول وأولي العلم ، لا تكاد تخفى على عاقل من ملك أو إنس أو جن ، كما قال تعالى : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت 29 / 43 ] . مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ منامكم في زماني الليل والنهار ، لاستراحة الجسد والنفس والفكر . وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي طلبكم المعاش في الليل والنهار . لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع تفهم وتدبر واستبصار واعتبار . وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ أي إراءتكم بتقدير . ( أن ) كقول الشاعر : ألا أيّهذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي أو الفعل فيه منزل منزلة المصدر ، مثل : « تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه » أو صفة لمحذوف تقديره : آية يريكم بها البرق . الْبَرْقَ شرارة كهربائية تظهر في الجو نتيجة احتكاك السحب ، وينشأ عنها الرعد . خَوْفاً للمسافر من الصواعق . وَطَمَعاً في الغيث للمقيم . بَعْدَ مَوْتِها بعد يبسها ، وإحياؤها يكون بالإنبات . إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور . لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لدلالات على قدرته تعالى لقوم يتدبرون ، يستعملون عقولهم في كيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته . بِأَمْرِهِ أي بإقامته لهما وإرادته قيامهما في موقعهما المعين من غير مقيم محسوس وجعل السماء من غير عمد ترونها . ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ أي خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة ، فيقول : أيتها الموتى اخرجوا ، أو بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور . إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ أي تخرجون من القبور أحياء . وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا