وهبة الزحيلي

49

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهذا إخبار بالغيب عن أمر في المستقبل ، أيده الواقع ، وقد نزلت الآيات كما بينا حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم ، فاضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية ، وحاصره فيها مدة طويلة ، ثم عادت الدولة لهرقل . فبعد نزول سورة الروم سنة 622 م ببضع سنين في سنة 627 م أحرز هرقل أول نصر حاسم للروم على الفرس في نينوى على نهر دجلة ، وانسحب الفرس لذلك من حصارهم للقسطنطينية ، ولقي كسرى أبرويز مصرعه سنة 628 م على يد ولده ( شيرويه ) . ولقد كانت هاتان الدولتان مسيطرتين على العالم القديم : فارس في الشرق ، والروم في الغرب ، وكانتا تتنازعان السيادة على بلاد الشام وغيرها . لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي الأمر كله من قبل الغلبة ومن بعدها ، فتغلب إحدى الدولتين على الأخرى بقضاء اللّه وقدره ، فهو يقضي في خلقه بما يشاء : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ آل عمران 3 / 140 ] فليس الانتصار دائما عن قوة مادية ذاتية ، وإنما القوة إحدى وسائل النصر ، والمعول في النهاية إرادة اللّه وقدرته ، فقد يتغلب الضعيف على القوي ، والقليل على الكثير : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 2 / 249 ] . وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ أي ويوم ينتصر الروم النصارى أصحاب قيصر ملك الشام على فارس أصحاب كسرى الوثنيين المجوس ، يفرح المؤمنون بنصر اللّه أهل الدين والكتاب على من لا دين له ولا كتاب . يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي ينصر اللّه من يريد على الأعداء ، فهو الفعال لما يريد ، وهو القوي الذي لا يغلب ، المنتقم من أعدائه ،