وهبة الزحيلي
47
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
سبب النزول : أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : لما كان يوم بدر ، ظهرت الروم على فارس ، فأعجب ذلك المؤمنين ، فنزلت ألم ، غُلِبَتِ الرُّومُ . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب الزهري قال : بلغنا أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين ، وهم بمكة ، قبل أن يخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيقولون : الروم يشهدون أنهم أهل كتاب ، وقد غلبتهم المجوس ، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل على نبيكم ، فكيف غلب المجوس الروم ، وهم أهل كتاب ؟ ! فسنغلبكم كما غلب فارس الروم ، فأنزل اللّه : ألم ، غُلِبَتِ الرُّومُ . وأخرج الترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي : أن فارس غزوا الروم ، فوافوهم بأذرعات وبصرى من أرض الشام ، فغلبوا عليهم ، وبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وهو بمكة ، فشق ذلك عليهم ، من قبل أن الفرس مجوس ، والروم أهل الكتاب ، وفرح المشركون بمكة وشمتوا ، ولقوا أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهم فرحون ، وقالوا : إنكم أهل كتاب ، والنصارى أهل كتاب ، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب ، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم ، فأنزل اللّه هؤلاء الآيات . فخرج أبو بكر رضي اللّه عنه إلى المشركين ، فقال : أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا ؟ فلا تفرحوا ، ولا يقرّنّ اللّه أعينكم « 1 » ، فو اللّه لتظهرنّ الروم على فارس ، كما أخبرنا بذلك نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقام إليه أبيّ بن خلف ؛ فقال : كذبت ، فقال : أنت أكذب يا عدو اللّه ، اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه « 2 » على عشر قلائص « 3 » مني ، وعشر قلائص منك ، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت ،
--> ( 1 ) لا يسرّنكم . ( 2 ) أراهنك . ( 3 ) جمع قلوص وهي الناقة الشابة الفتية .