وهبة الزحيلي

30

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : بعد بيان أمر المشركين ومطالبهم التعجيزية وسوء أعمالهم ، ثم مخاطبة المؤمنين بقوله تعالى : يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ذكر تعالى ما يكون إرشادا للمشرك إذا فكر وتأمل ، بأسلوب أدبي رفيع تضمن نصح المفسد أولا ، ثم مخاطبة الرشيد ، ليسمع المفسد ، على طريقة : ( إياك أعني واسمعي يا جارة ) ، وكأن المتكلم يقول : إن هذا لا يستحق الخطاب ، فاسمع أنت ، ولا تكن مثل هذا المفسد ، فيتضمن هذا الكلام نصيحة المصلح ، وزجر المفسد ، ودعوته إلى سبيل الرشاد ، وهو الإقرار بوحدانية مبدع العالم ، وخالق السماء والأرض وما فيهما ، ورازق المخلوقات ، ومحيي الأرض بعد موتها . التفسير والبيان : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، لَيَقُولُنَّ : اللَّهُ ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي واللّه لئن سألت يا محمد المشركين باللّه : من الذي أوجد وأبدع السماوات وما فيها من الكواكب النيّرات ، والأرض وما حوته من كنوز ومعادن ، وذلّل الشمس والقمر يجريان لمصالح الخلق ، وأدى ذلك إلى تعاقب الليل والنهار ، لو سألتهم لأجابوا بأن المستقل بالخلق والإيجاد هو اللّه عز وجل . وإذ أقروا بذلك واعترفوا ، فكيف يصرفون عن توحيد اللّه وإخلاص العبادة له ؟ ! فإن الاعتراف بأن اللّه هو الخالق يمنع المشركين من عبادة إله آخر سواه ، أو اتخاذ شريك معه ، والاعتراف بتوحيد الربوبية الصادر من المشركين بقولهم : « لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك » يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية ، وكثيرا ما يذكر اللّه تعالى توحيد الألوهية بعد الاعتراف بتوحيد الربوبية .