وهبة الزحيلي

296

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

من مجلسهما ، بطل ما كان من ذلك إليها ، ويرى آخرون أن ما ملكته يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها ، وهذا عند المالكية هو الصحيح لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة فيما رواه البخاري والترمذي : « إني ذاكر لك أمرا ، فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك » فهذا دليل على استمرار التخيير ، حيث جعل لعائشة التخيير إلى أن تستأمر أبويها ، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجا من الأمر . والظاهر أن من اختارت اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم كان يحرم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم طلاقها ، أي لا يباشره أصلا ، عملا بعلو منصبه ، وسمو خلقه . 4 - جعل اللّه ثواب طاعة أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعقاب معصيتهن أكثر مما لغيرهن ، بنص الآية هنا : يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ والآية التي بعدها : نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ فأخبر اللّه تعالى أن من جاء من نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بفاحشة - واللّه عاصم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك ، كما مرّ في حديث الإفك - يضاعف لها العذاب ضعفين ؛ لشرف منزلتهن ، وفضل درجتهن ، وتقدمهن على سائر النساء أجمع . وبينت الشريعة في مواضع كثيرة أنه كلما تضاعفت الحرمات ، فهتكت تضاعفت العقوبات ، ولذلك ضوعف حد الحر على العبد ، والثيب على البكر . ولما كان أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مهبط الوحي ، وفي منزل أوامر اللّه ونواهيه ، قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن ، فضوعف لهن الأجر والعذاب . وضعف الشيء مثله ، فمعنى الضعفين : معنى المثلين أو المرتين ، فلو فرض وقوع ما يوجب الحدّ منهن - وقد أعاذهن اللّه من ذلك - حدّت الواحدة حدّين لعظم قدرها ، كما يزاد حد الحرة على الأمة ، والعذاب بمعنى الحدّ ، قال اللّه تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ النور 24 / 2 ] . ويدل على هذا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ . انتهى الجزء الحادي والعشرون وللّه الحمد