وهبة الزحيلي

281

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

عزيمة المؤمنين على خوض المعركة ، والدفاع عن مدينتهم عاصمة الإسلام . 2 - إن السلطان يشاور أصحابه وخاصته في أمر القتال ؛ لأنه لما سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم باجتماع الأحزاب وخروجهم إلى المدينة ، شاور أصحابه ، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق ، فرضي رأيه ، وقال المهاجرون يومئذ : سلمان منا ، وقال الأنصار : سلمان منا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سلمان منا آل البيت » . وكان الخندق أول مشهد شهده سلمان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو يومئذ حرّ ، فقال : يا رسول اللّه ، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا ؛ فعمل المسلمون في الخندق مجتهدين . وفي هذا الخبر أيضا وجوب التحصن من العدوّ بما أمكن من الأسباب ، وفيه أن حفر الخندق يكون مقسوما على الناس ؛ فمن فرغ منهم عاون من لم يفرغ ، فالمسلمون يد على من سواهم . أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم الأحزاب ، وخندق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأيته ينقل من تراب الخندق ، حتى وارى عنّي الغبار جلد بطنه ، وكان كثير الشعر ، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ويقول : اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا * وثبّت الأقدام إن لاقينا 3 - دلت أخبار السيرة السالفة الذكر ورواية النسائي عن البراء وغيره أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ضرب صخرة أثناء حفر الخندق ضربات ثلاثا ، أضاءت له الضربة الأولى مدائن كسرى وما حولها ، وأنارت له الثانية مدائن قيصر وما حولها ، وأبدت له الثالثة مدائن الحبشة وما حولها ، ورأى سلمان بعينه ذلك ، وتلك معجزة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشّر بها بفتح هذه البلاد ، وقال عند ذلك فيما رواه مالك : « دعوا الحبشة ما ودعوكم ، واتركوا الترك ما تركوكم » .