وهبة الزحيلي
277
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً حيث ستر ذنوبهم ، ورحمهم ورزقهم الإيمان ووفقهم إلى التوبة ، ولا يعاقبهم على ما مضى بعد التوبة . وهذا حث على التوبة والإيمان قبل فوات الأوان . ونظير الآية كثير ، منها : قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ، وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ محمد 47 / 31 ] وقوله عز وجل : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ آل عمران 3 / 179 ] . رابعا - نهاية المعركة أو الإجلاء : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً أي إن اللّه تعالى أجلى الأحزاب عن المدينة ، وردهم خائبين خاسرين مع غيظهم ، لم يشفوا صدرا ، ولم يحققوا أمرا ، ولم ينالوا أي خير من غنيمة أو أسر أو نصر حاسم ، بما أرسل عليهم من الريح الباردة والجنود الإلهية ، فتفرقت جموعهم ، وتشتت شملهم ، ولم يحققوا خيرا لأنفسهم ، لا في الدنيا من الظفر والمغنم ، ولا في الآخرة من الآثام في إعلان عداوتهم للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومبارزته ، وهمهم بقتله ، واستئصال زمرته وجيشه ، ومن همّ بشيء ، وبدأ بتنفيذ همه بالفعل ، فهو في الحقيقة كالفاعل . وكفى اللّه المؤمنين القتال ، أي لم يحوجهم إلى قتال ومبارزة حتى يجلوا عن بلادهم ، بل كفى اللّه وحده شرهم ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، ولهذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما أخرجه الشيخان - يقول : « لا إله إلا اللّه وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده » . و في الصحيحين أيضا عن عبد اللّه بن أبي أوفى رضي اللّه عنه قال : « دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الأحزاب ، فقال : اللهم منزّل الكتاب ، سريع الحساب ،