وهبة الزحيلي
274
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وتذكرونه ذكرا كثيرا في الليل والنهار ، حبا به وتعظيما له ، وخوفا من عقابه ، وطمعا في ثوابه وجزائه ، فإن ذكره دافع إلى طاعته ، والتأسي برسوله . وهذا عتاب للمتخلفين ، وإرشاد للناس جميعا أن يتأسوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في السراء والضراء وحين البأس ولقاء الشجعان ونزال الأبطال . ثالثا - موقف المؤمنين : ثم بعد بيان حال المنافقين أبان اللّه تعالى حال المؤمنين عند لقاء الأعداء ، فقال : وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا : هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً أي ولما شاهد المؤمنون المصدقون بموعود اللّه لهم ، المخلصون في القول والعمل الأحزاب المتجمعة حول المدينة قالوا : هذا ما وعدنا اللّه ورسوله من الابتلاء والاختبار بمجابهة الأعداء ثم النصر القريب ، وصدق اللّه ورسوله الوعد بالنصر ، وما زادهم تجمع الأعداء وتلك الحال من الشدة والضيق إلا إيمانا باللّه ، وتصديقا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتسليما لقضائه وقدره وانقيادا لأوامره وطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، واعتقادا جازما أن النصر من عند اللّه تعالى بعد أن يتخذ العباد الأسباب ، ويستعدوا للحرب ، ويقاتلوا فعلا ؛ لأن الجهاد تكليف من اللّه لعباده ، وتعطيل التكليف معصية ، ومجرد الاعتماد على قدرة اللّه وإمداده بالعون والنصر دون عمل من عباده : سوء فهم وجهل وتمنيات شيطانية خادعة . والتحذير من هذه المفاهيم المخطئة متكرر في القرآن ، قال تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ، وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ ، وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ : مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة 2 / 214 ] وقال سبحانه : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا : آمَنَّا ، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [ العنكبوت 29 / 2 ] .