وهبة الزحيلي
268
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يتبرّز فرقا ( خوفا ) ما هذا إلا وعد غرور « 1 » . وأما مريض الاعتقاد فتحدث بما توسوس به نفسه لضعف إيمانه ، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال . وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ : يا أَهْلَ يَثْرِبَ ، لا مُقامَ لَكُمْ ، فَارْجِعُوا أي واذكروا أيضا حين قالت طائفة من المنافقين ، وهم أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه ، أو عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه : يا أهل المدينة ، لا وجه لإقامتكم مع محمد وعسكره ، ولا مسوغ لها مع هذه الحال من الذل والهوان ، ولا قرار لكم هاهنا ولامكان تقيمون فيه ، فارجعوا إلى بيوتكم ومنازلكم في المدينة ، لتسلموا من القتل والفناء . ويثرب : اسم للبقعة التي هي المدينة أو طيبة أو طابة . والطائفة : تطلق على الواحد فأكثر . وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ : إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ، وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ ، إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً أي وبسبب إشاعة الفتنة وبثّ روح الضعف عزم جماعة من المنافقين على الرجوع وهم بنو حارثة بن الحارث ، وطلبوا الإذن من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في العودة إلى بيوتهم وترك القتال قائلين : إن بيوتنا سائبة ضائعة ليست بحصينة ، أي فيها خلل يخاف منه دخول العدو والسارق ليأخذ المتاع ويفزع النساء والأولاد ، فكذبهم اللّه بقوله : وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ أي ليس فيها خلل أو ثغرة ، بل هي حصينة وليست كما يزعمون ، وإنما قصدهم الفرار بسبب الخوف ، والهرب من الزحف مع جيش المؤمنين الصادقين . ثم بيّن اللّه تعالى مدى ضعف الإيمان ورقّته في قلوبهم وأن ذلك الفرار ليس لحفظ البيوت ، فقال : وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ، ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها ، وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً أي ولو دخل الأعداء عليهم من كل جانب من جوانب المدينة ، أو
--> ( 1 ) الكشاف : 2 / 533 ، البحر المحيط : 7 / 217