وهبة الزحيلي
258
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ مبالغة في التمثيل ، صور القلوب في خفقانها واضطرابها ، كأنها وصلت إلى الحلقوم . لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ كناية عن الفرار من الزحف . سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ استعارة مكنية ، شبه اللسان بالسيف المصلت ، وحذف المشبه به ، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السلق أي الضرب ، بطريق هذه الاستعارة ، و حِدادٍ ترشيح . مَسْطُوراً بَصِيراً غُرُوراً فِراراً يَسِيراً كَثِيراً توافق الفواصل في الحرف الأخير . هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إطناب بتكرار اسم اللّه والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم للتعظيم والتشريف . قَضى نَحْبَهُ استعارة ، أستعير النحب وهو النّذر للموت نهاية كل حي ؛ كأنه نذر لازم في رقبة كل إنسان . وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ قوله : إِنْ شاءَ اعتراض للدلالة على أن العذاب أو الرحمة بمشيئة اللّه تعالى . المفردات اللغوية : إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ يعني الأحزاب وهم قريش بقيادة أبي سفيان ، وغطفان بقيادة عيينة بن حصن ، وبنو أسد بإمرة طليحة ، وبنو عامر بزعامة عامر بن الطّفيل ، وبنو سليم يقودهم أبو الأعور السلمي ، وبنو النّضير من اليهود برئاسة حييّ بن أخطب وأبناء أبي الحقيق ، وبنو قريظة من اليهود أيضا وسيدهم كعب بن أسد ، وقد نقض هؤلاء اليهود عهدهم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتواطؤوا مع قريش . وبلغ مجموع الأحزاب عشرة آلاف ، أو زهاء اثني عشر ألفا . فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً ريح الصبا وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها هم الملائكة وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من حفر الخندق ، وعلى قراءة : يعملون تحزيب المشركين ومحاربتهم بَصِيراً رائيا مطلعا تمام الاطلاع مِنْ فَوْقِكُمْ أي من أعلى الوادي ، من جهة المشرق وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من أسفل الوادي من جهة المغرب زاغَتِ الْأَبْصارُ مالت عن مستوى نظرها ، فلم تلتفت إلا إلى عدوها حيرة ودهشة وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ المراد أنها فزعت فزعا شديدا ، والحناجر : جمع حنجرة : وهي منتهى الحلقوم وهو مدخل الطعام والشراب والتنفس ، وتصوير ذلك : أن الرئة تنتفخ من شدة الرعب ، فترتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا أي تظنون مختلف الظنون من نصر ويأس ، فالمؤمنون المخلصون خافوا الزلل وضعف الاحتمال ، والمنافقون