وهبة الزحيلي

198

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهذا إثبات للبعث مع التهديد والوعيد ، وبيان أن القادر على خلق الناس أول مرة قادر على إحيائهم مرة أخرى . ثم أخبر اللّه تعالى عن حال المشركين حين معاينة البعث والحساب يوم القيامة فقال : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً ، إِنَّا مُوقِنُونَ أي ولو تشاهد أيها الرسول حين يقوم هؤلاء المشركون بين يدي ربهم خافضي رؤوسهم من الحياء منه والخزي والعار لرأيت عجبا وأمرا فظيعا ، فتراهم يقولون : ربّنا نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك ، لقد أبصرنا الحشر وسمعنا تصديقك للرسل فيما كذبناهم فيه ، فارجعنا إلى دار الدنيا نعمل ما يرضيك من صالح الاعتقاد والقول والعمل ، فهم يلومون أنفسهم حين دخول النار ، كما أخبر تعالى عنهم : وَقالُوا : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ الملك 67 / 10 ] . قال الزجاج في قوله تعالى : وَلَوْ تَرى : المخاطبة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مخاطبة لأمته . وإنا الآن قد أيقنا بوحدانيتك ، واستحقاقك العبادة دون غيرك ، وتحققنا أن وعدك بالبعث حق ولقاءك حق ، وأنك القادر على الإحياء والإماتة . ولكن اللّه يعلم أنه لو أعادهم إلى الدنيا ، لكانوا فيها كفارا كما كانوا ، يكذبون بآيات اللّه ، ويخالفون رسله ، كما قال تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ، فَقالُوا : يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام 6 / 27 - 28 ] . وقال تعالى هنا : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها أي ولو أردنا أن نوفق كل نفس