وهبة الزحيلي
191
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي المدبر لهذه الأمور هو العالم بجميع الأشياء ، يعلم ما يغيب عن الأبصار ، مما يجول في خلجات النفس ، وما لا تدركه العين المجردة ، ويعلم ما هو مشاهد تعاينه الأبصار ، وهو العزيز الذي قد عزّ كل شيء ، فقهره وغلبه ، ودانت له العباد والرقاب ، القوي الشديد في انتقامه ممن كفر به وأشرك معه غيره ، وكذب رسله ، وهو الرحيم بعباده المؤمنين الطائعين القانتين التائبين الذين يعملون الصالحات ، يرحمهم في تدبير شؤونهم في الدنيا وفي الآخرة . وبعد إثبات الوحدانية بالآفاق من خلق السماوات والأرض ، ذكر تعالى الدليل الدال عليها من الأنفس ، فقال : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ أي إن ذلك المدبر للأمور العليم الخبير القوي الرحيم هو الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها ، وبدأ خلق أبي البشر آدم من طين ، والطين مكوّن من ماء وتراب . وكذلك يعتمد الإنسان في تكوينه وبقاء حياته على الطين ؛ لأن المني ناشئ من الغذاء ، والغذاء إما من الحيوان وإما من النبات ، وكلاهما يعتمد على ما تخرجه الأرض الترابية . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ أي ثم جعل ذرية الإنسان يتناسلون من امتزاج نطفة الرجل بماء المرأة الذي فيه البويضة التي تتلقح بنطفة الرجل ، فيتم التوالد والتناسل وبقاء النوع الإنساني من خلاصة من ماء ضعيف ممتهن عادة وهو المني . ثُمَّ سَوَّاهُ ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي ثم بعد خلقه من تراب جعله سويا مستقيما ، فقوّم أعضاءه ، وعدّلها ، وأتمها ، ونفخ فيه الروح التي هي من أمر اللّه والتي لا يعرف حقيقتها إنسان ، فبدأ