وهبة الزحيلي
18
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
من أهل الكتاب ، وقد جئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى ، وأبنت الصواب فيما اختلفوا فيه ، كما قال : أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى [ طه 20 / 133 ] . أخرج الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » . قُلْ : كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً أي قل يا محمد لهم : كفى اللّه عالما وحكما عدلا بيني وبينكم ، فهو أعلم بما صدر منكم من التكذيب ، وبما أقول لكم وأبلغكم به من أوامر وإنذارات وبما أرسلني به إليكم ، فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني ، كما قال : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [ الحاقة 69 / 44 - 47 ] وإنما أنا صادق فيما أخبرتكم به ، ولهذا أيّدني بالمعجزات الواضحات ، والدلائل القاطعات . يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أن اللّه تعالى لا تخفى عليه خافية ، يعلم جميع ما هو كائن ويكون في السماوات والأرض ، ومن جملة علمه : أنه يعلم حالي وحالكم ، من صدقي وتكذيبكم وإنكاركم . وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي والذين صدقوا بما يعبد من دون اللّه من الأوثان والأصنام ونحوها ، وجحدوا بوجود اللّه أو توحيده ، مع توافر الأدلة على الإيمان به ، أولئك هم الخاسرون في صفقتهم ، حيث اشتروا الكفر بالإيمان ، وسيجزيهم اللّه يوم القيامة على ما فعلوا ، ويعاقبهم على ما صنعوا من تكذيب برسل اللّه ، مع قيام الأدلة على صدقهم ، وإنكار للحق ، واتباع للباطل من الإيمان بالطواغيت والأوثان بلا دليل .