وهبة الزحيلي
169
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
قُلِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي قل أيها الرسول : الحمد للّه على اعترافكم ، إذ قامت الحجة عليكم بإلجائكم إليه ، وأن دلائل التوحيد واضحة ، لا يكاد ينكرها أحد ، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أنه ينبغي ألا يعبد مع اللّه غيره ، وأن هذه الحجة تلزمهم ، وتبين تناقضهم ، وأنهم لم ينتبهوا مع وجود هذا التنبيه . وبعد انتزاع هذا الاعتراف الصريح بوجود اللّه وتوحيده ، استدل اللّه تعالى على ذلك بقوله : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أي للّه جميع ما في السماوات وما في الأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصرفا ، وليس ذلك لأحد سواه ، فلا يستحق العبادة غيره ، لأنه الغني عما سواه ، وكل شيء فقير إليه ، وهم مملوكون له ، محتاجون إليه ، وهو المحمود في الأمور كلها ، وعلى نعمه التي أنعم بها ، وعلى ما خلق وشرع . ومنعا لإيهام قوله تعالى : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تناهي ملكه بحصره في الموجود في السماوات والأرض ، أبان تعالى أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها ، فقال : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ، ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما ، وجعل البحر مدادا ( حبرا ) وأمده سبعة أبحر معه ، فكتبت بها كلمات اللّه الدالة على عظمته وصفاته وجلاله ، لتكسرت الأقلام ، ونفد ماء البحر ، ولو جاء أمثالها مددا ، إن اللّه قوي لا يعجزه شيء ، حكيم في صنعه ، لا يخرج عن علمه وحكمته شيء ، كامل القدرة ، فيكون له مقدورات لا نهاية لها . وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة ، ولم يرد الحصر ، كما لم يرد أن هناك