وهبة الزحيلي
166
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
اللّه ، بحيث اضطروا إلى الإقرار بوجوده . قُلِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ على ظهور الحجة عليهم بثبوت التوحيد ، وإلجائهم إلى الاعتراف بما يبطل اعتقادهم . بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ يجهلون إلزامهم بتلك الحجة . لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا ، فلا يستحق العبادة فيهما غيره . هُوَ الْغَنِيُّ عن خلقه . الْحَمِيدُ المستحق للحمد ، المحمود في صنعه . وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ أي ولو صارت جميع الأشجار أقلاما . وإنما قال شَجَرَةٍ بالإفراد دون اسم الجنس الذي هو شجر ، ليشمل كل شجرة على حدة ، حتى لا يبقى من جنس الشجر ، ولا واحدة ، إلا قد بريت أقلاما . وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ أي والبحر المحيط يمده بسعته مدادا ، فاكتفى بذكر يَمُدُّهُ عن ذكر المداد ؛ لأنه من مدّ الدواة وأمدها . ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ أي معلوماته ، بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولا بأكثر من ذلك ؛ لأن معلوماته تعالى غير متناهية . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء . حَكِيمٌ لا يخرج شيء عن علمه وحكمته . ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ خلقا وبعثا ، أي كبعث نفس واحدة وخلقها ، إذ لا يشغله شأن عن شأن ، ولأنه يتم بكلمة كُنْ فَيَكُونُ . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع كل مسموع . بَصِيرٌ يبصر كل مبصر ، لا يشغله إدراك شيء عن شيء . أَ لَمْ تَرَ تعلم أيها المخاطب . يُولِجُ يدخل الليل في زمن النهار وبالعكس ، أي يضيف أحدهما إلى الآخر ، فاللّه يزيد في كل من الليل والنهار بما نقص من الآخر . كُلٌّ يَجْرِي كل من الشمس والقمر النيرين يجري في فلكه . إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معلوم مقدر ، إلى نهاية دورة الشمس السنوية ، ودورة القمر الشهرية ، أو إلى يوم القيامة . بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ عالم بكنهه . ذلِكَ المذكور من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع . بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ بسبب أنه الثابت في ذاته ، الواجب من جميع جهاته ، أو الثابت الألوهية . وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ أي وأن ما يعبدون من غيره هو المعدوم في حد ذاته الذي لا يوجد ، والزائل ، أو الباطل الألوهية . وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ المترفع على خلقه وعلى كل شيء بالقهر ، والمتسلط عليه ، وهو العظيم . الْفُلْكَ السفن . تَجْرِي تسرع . بِنِعْمَتِ اللَّهِ بإحسانه في تهيئة أسبابه وأنها تحمل الطعام والمتاع ونحوهما ، وهو استدلال آخر على باهر قدرته وكمال حكمته وشمول إنعامه . لِيُرِيَكُمْ أيها المخاطبون بذلك . مِنْ آياتِهِ دلائله . لَآياتٍ علامات وعبرا . لِكُلِّ صَبَّارٍ كثير الصبر على المشاق وعن معاصي اللّه ، فيتعب نفسه في التفكر في الآفاق والأنفس . شَكُورٍ لنعمته ، يعرف النعم ، ويتعرف ما نحها ، فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر .