وهبة الزحيلي
146
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والآية عطف على معنى ما سبق ، وتقديره : ولقد آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكرا في نفسه ، وحين جعلناه واعظا لغيره . روى البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن مسعود قال : لما نزلت آية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ، أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [ الأنعام 6 / 82 ] شقّ ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقالوا : أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنه ليس بذلك ، ألا تسمع إلى قول لقمان : يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » . ثم أمر اللّه تعالى ببرّ الوالدين ، جريا على عادة القرآن ، فإنه كثيرا ما يقرن اللّه تعالى في القرآن بين الأمر بعبادة اللّه واجتناب الشرك وبين الأمر ببرّ الوالدين ، كما في قوله سبحانه : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء 17 / 23 ] ، فقال : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ ، وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ أي وأمرنا الإنسان وألزمناه ببرّ والديه وطاعتهما ، وأداء حقوقهما ، ولا سيما برّ الأم التي حملته في ضعف فوق ضعف ، من الحمل إلى الطلق إلى الولادة والنفاس ، ثم الرضاع والفطام في مدة عامين والتربية ليلا ونهارا ، كما قال تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [ البقرة 2 / 233 ] وقد بيّن الحديث النبوي أحقية الأم بالبرّ ، فأوصى بها ثلاث مرات ، ثم أوصى بالأب في المرة الرابعة ، فجعل له ربع المبرة . لقد وصيناه ، أي أمرناه وعهدنا إليه بالشكر لي أي للّه على نعمتي عليك ، وبالشكر للوالدين ؛ لأنهما سبب وجودك ، ومصدر الإحسان إليك بعد اللّه تعالى . وقوله تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي لبيان علة الوصية أو وجوب امتثالها ، و الْإِنْسانَ هنا في رأي الزمخشري تفسيرية ، والجملة بيان لفعل التوصية ، إذ هو متضمن معنى القول ، أي قلنا له : اشْكُرْ لِي .