وهبة الزحيلي

104

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المطر . وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ أي ليذيقكم بها المطر والخصب أي المنافع التابعة لها . وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ السفن بها بإذنه . وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ لتطلبوا الرزق من فضل اللّه بالتجارة في البحر . وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي ولتشكروا نعمة اللّه فيها ، فتوحدوه . فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالحجج الواضحات على صدقهم في رسالتهم إليهم ، فكذبوهم . فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أهلكنا الذين كذبوا ، ودمرنا الذين فعلوا جرما . وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين . وهو إشعار بأن الانتقام لصالح المؤمنين وإظهار كرامتهم ، حيث جعلهم اللّه مستحقين لديه أن ينصرهم ، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني وغيره عن أبي الدرداء : « ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه إلا كان حقا على اللّه أن يرد عنه نار جهنم » ثم تلا الآية . فَتُثِيرُ أي تحرك وتهيج . فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ ينشره متصلا بعضه ببعض . كَيْفَ يَشاءُ من قلة وكثرة ، كِسَفاً قطعا متفرقة ، وقرئ بسكون السين ، تخفيفا . الْوَدْقَ المطر . مِنْ خِلالِهِ وسطه . فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أصاب بالودق بلادهم وأراضيهم . إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يفرحون بالمطر أمارة الخصب . مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ المطر . مِنْ قَبْلِهِ كرره للتأكيد والدلالة على طول زمن تأخر المطر . لَمُبْلِسِينَ آيسين من إنزاله . فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ آثار الغيث من النبات والأشجار وأنواع الثمار ، وقرئ : إلى أثر . كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يبسها ، بأن يجعلها تنبت ، وقرئ : تحيي بإسناده إلى ضمير الرحمة . لَمُحْيِ الْمَوْتى لقادر على إحيائهم . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي أن قدرته على جميع الممكنات سواء . وَلَئِنْ اللام لام القسم . أَرْسَلْنا رِيحاً مضرة على نبات . فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا فرأوا الأثر أو الزرع ، وقد صار جواب القسم . مِنْ بَعْدِهِ من بعد اصفراره . يَكْفُرُونَ يجحدون النعمة بالمطر ، وقوله : لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ جواب سد مسد جزاء الشرط ، وحرف الشرط هو ( إن ) في قوله وَلَئِنْ . المناسبة : بعد وصف ظاهرة الفساد في العالم بسبب الشرك والمعاصي ، أقام اللّه تعالى الأدلة القاطعة على وحدانيته بإرسال الرياح والأمطار ، وعلى البعث والنشور وعلى قدرته ورحمته بإحياء الأرض بعد موتها ، وتخلل ذلك التسرية عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه ليس أول من كذبه الناس ، فقد تقدمه رسل كثيرون جاؤوا أقوامهم بالبينات فكذبوهم ، فانتقم اللّه منهم بالتدمير والهلاك ، فلا يجزع ولا يحزن ، والنصر دائما في جانب المؤمنين .