وهبة الزحيلي
68
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أفعاله وعواقبها المحمودة في الدنيا والآخرة ، فربما كان الأمر كريها إلى النفوس في الظاهر ، محمود العاقبة في الحقيقة ونفس الأمر ، كما قال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ، وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [ البقرة 2 / 216 ] وقال تعالى : فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ، وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [ النساء 4 / 19 ] . وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى ، آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي ولما اكتملت قواه الجسدية والعقلية آتيناه الحكمة والعلم وفقه الدين وعلم الشريعة ، ومثل ذلك الذي فعلنا بموسى وأمه نجزي المحسنين على إحسانهم . وقد رجح الرازي أن المراد بالحكم هنا الحكمة والعلم ، لا النبوة « 1 » . فقه الحياة أو الأحكام : دلت الآيات على ما يأتي : 1 - قد يطلق الوحي على الإلهام ؛ لأن الوحي لا يكون إلا لنبي ، وقد أجمع العلماء على أن أم موسى وأم عيسى لم تكن واحدة منهما نبية ، وإنما ذلك من قبيل الإلهام ، كإلهام النحل اتخاذ البيوت . وقد ألهم اللّه أم موسى بعد ولادته أن ترضعه ، فإذا خافت عليه من القتل ألقته في البحر ، دون خوف عليه من الغرق ولا حزن على فراقه ، فإن اللّه تكفل برده إليها وبجعله من الأنبياء المرسلين إلى أهل مصر . 2 - قد يقصد الإنسان شيئا ويحدث شيء آخر ، فإن أهل فرعون التقطوا موسى الصغير ليكون لهم قرّة عين ، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا ، وللّه في خلقه شؤون .
--> ( 1 ) تفسير الرازي 24 / 232 .