وهبة الزحيلي

64

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وقد جمعت هذه الآية الواحدة بين أمرين ونهيين ، وخبرين وبشارتين والأمران : هما أرضعيه وألقيه ، والنهيان : هما وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي ، والخبران : هما إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ ، والبشارتان : في ضمن الخبرين ، وهما الرد والجعل من المرسلين . فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً أي فأخذه أهل فرعون ، لتكون عاقبة أمره أن يكون عدوا لهم بمجاهدته بمخالفة دينهم ، وموقعا لهم في الحزن بإغراقهم وزوال ملكهم . ولام لِيَكُونَ لام العاقبة ، وليست لام التعليل ؛ لأنهم لم يريدوا قطعا بالتقاطه ذلك ، ولكن اللّه جعل دمارهم بما صنعت أيديهم ، فالتقطوه وربوه ، ليكون في نهاية أمره سببا لمأساتهم وتحقق ما توقعوه من زوال ملكهم . قال الرازي : واعلم أن التحقيق ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن هذه اللام هي لام التعليل ، على سبيل المجاز دون الحقيقة ؛ لأن مقصود الشيء وغرضه يؤول إليه أمره ، فاستعملوا هذه اللام فيما يؤول إليه الشيء على سبيل التشبيه ، فإن اتخاذه عدوا لم يكن سبب التقاطهم له ، ولكن شبهت المحبة والتبني بالسبب الذي يؤدي إلى الفعل ، ويفعل الفعل لأجله ، كاستعارة الأسد للرجل الشجاع . وسبب ذلك على يد موسى عليه السلام هو ما قاله تعالى : إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ أي إن هؤلاء كانوا مذنبين مجرمين ، فعاقبهم اللّه بأن ربّى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم ، فهو من الخطيئة أي الإثم ، ويصح أن يكون من الخطأ فإنهم كانوا مخطئين في كل شيء ، فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم . قال الحسن البصري : معنى كانُوا خاطِئِينَ ليس من الخطيئة ، بل المعنى : وهم لا يشعرون أنه الذي يذهب بملكهم .